إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
354
زهر الآداب وثمر الألباب
فباطنها للنّدى وظاهرها للقبل وبسطتها للغنى وسطوتها للأجل أخذه ابن الرومي فقال لإبراهيم بن المدبر : أصبحت بين ضراعة وتجمّل والمرء بينهما يموت هزيلا فامدد إلى يدا تعوّد بطنها بذل النوال وظهرها التقبيلا وقال يمدح عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر ، وزاد في هذا المعنى تشبيها ظريفا : مقبّل ظهر الكفّ وهّاب بطنها لها راحة فيها الحطيم وزمزم فظاهرها للناس ركن مقبّل وباطنها عين من العرف عيلم « 1 » وكان ذو الرياستين يقبل صواب القائلين بما في قوّته من صفاء الغريزة ، وجودة النّحيزة « 2 » فهو كما قال أبو الطيب : ملك منشد القريض نديه يضع الثّوب في يدي بزّاز وكانت مخايل فضله ، ودلائل عقله ، ظهرت ليحيى بن خالد وهو على دين المجوسية ، فقال له : أسلم أجد السبيل إلى اصطناعك ، قال : فأسلم على يد المأمون ، ولم يزل في جنبته « 3 » ، إلى أن رقى إلى رتبته . وذكره يحيى عند الرشيد فأجمل الثناء ، فأمر بإحضاره ، فلما رآه أفحم ؛ فنظر الرشيد إلى يحيى كالمستفهم ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ من أدلّ دليل على فراهة المملوك أن تملك هيبة مولاه لسانه وقلبه ، فقال الرشيد : لئن كنت سكتّ لكي تقول هذا فقد أحسنت ، ولئن كان هذا شيئا اعتراك عند الحصر لقد أجدت ؛ وزاد في إكرامه وتقريبه ، وجعل لا يسأله بعد ذلك عن شئ إلا أجابه بأفصح لسان ، وأجود بيان .
--> « 1 » عيلم : كثيرة الماء ، والعيلم أيضا : البحر « 2 » النحيزة : الطبيعة « 3 » جنبته جا : نبه ( م ) .